الشيخ محمد هادي معرفة
566
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأمّا من هو الذي بنى السدّ ( سدّ مأرب العظيم ) . . . ومتى ؟ فقد عثر المنقّبون في أنقاض سدّ مأرب على نقوش كتابية بالحرف المسند ( الخطّ الحميري ) استدلّوا منها على بانيه . أهمّها نقشان ، أحدهما على الصدف الأيمن الملاصق للجنّة اليمنى ، تفسيره : « أنّ يثعمر بيين بنسمه على ينوف مكرب سبأ ، خرق جبل بلق وبنى مصرف رحب لتسهيل الرّيّ » . والآخر على الصدف الآخر ، تفسيره : « أنّ سمه على ينوف مكرب سبأ اخترق بلق وبنى رحب لتسهيل الرّيّ » . « سَمَه عَلى » هذا هو والد « يثعمر » المذكور ، وكلّ منهما بنى صدفا أو حائطا ، وكلاهما من أهل القرن الثامن قبل الميلاد . . . فهما مؤسّساه ، ولم يتمكّنا من إتمامه ، فأتمّه خلفاؤهما ، وبنى كُلٌّ منهم جزءا ونقش اسمه عليه . فعلى المخروط أو الصدف في اليسار نقشٌ قرأوا منه : « كرب إيل بيين بنيثعمر مكرب سبأ بنى . . . » ، وعلى جزء آخر من السدّ اسم « ذَمَر عَلى ذَرَح ملك سبأ » ، وفي محلّ آخر اسم « يَدَع إيل وتار » ، وعلى السدّ الأيسر مما يلي الجنّة اليسرى عدّة نقوش بمثل هذا المعنى . . . ممّا يدلّ على أنّ هذا السدّ لم يستأثر ببنائه ملك واحد . تلك هي العادة في تشييد الأبنية الكبيرة في كلّ زمان . . . « 1 » ويجدر بالذكر أن نعلم أنّ اسم « شمر يرعش » قد حكّ على صخر عثر عليه في أنقاض مدينة مأرب ، وليس في أنقاض السدّ ، ويرجع تاريخه إلى سنة ( 270 ) بعد الميلاد . « 2 » ومن ثمّ فنوجّه عتابنا اللّاذع إلى الأستاذ أحمد موسى سالم ، في ذهابه إلى الرأي القائل بأنّ ذا القرنين - المذكور في القرآن والمتّسم ببناء سدّ يأجوج ومأجوج - هو الملك الحميري « شمر يرعش » « 3 » . . . بدافع عصبيّة عنصريّة . . . وليحتكر كلّ شخصيّة عظيمة لقوميّته العربيّة حتى ولو خالف الواقع وعارضه التاريخ .
--> ( 1 ) - راجع : العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان ، ص 162 - 163 و 169 - 176 . ( 2 ) - راجع : تاريخ العرب للدكتور السيد سالم ، ص 54 . ذو القرنين لمحمد خير رمضان ، ص 181 . ( 3 ) - راجع : كتابه « قصص القرآن - في مواجهة أدب الرواية والمسرح - » ، ص 220 - 221 ، ط 1978 م . ذو القرنين لمحمد خير رمضان ، ص 233 .